محمد حسين هيكل
103
حياة محمد ( ص )
طعن محمد على الأصنام وبادأهم محمد بذكر آلهتهم ، وكان من قبل لا يذكرها ، وعابها ، وكان من قبل لا يعيبها . هنالك عظم الأمر على قريش وحزّ في صدورهم ؛ وبدؤا يفكرون التفكير الجدّ في أمر هذا الرجل وما هو لاق منهم وما هم لاقون منه ، لقد كانوا إلى يومئذ يسخرون من قوله ، وكانوا إذا جلسوا في دار النّدوة أو حول الكعبة وأصنامهم فجرى ذكره على ألسنتهم لم يثر أكثر من ابتسامات استخفافهم وإستهزائهم . أمّا وقد حقّر من شأن آلهتهم وسخر مما يعبدون وما كان يعبد آباؤهم ، ونال من هبل ومن اللات والعزّى ومن الأصنام جميعا ، فلم يبق الأمر موضع استخفاف وسخرية ، بل أصبح موضع جدّ وتدبير . أو لو أتيح لهذا الرجل أن يؤلب عليهم أهل مكة وأن يصرفهم عن عبادتهم فماذا تؤول إليه تجارة مكة ؟ وماذا يكون مقامها الديني ؟ لم يكن عمّه أبو طالب قد دخل في دين اللّه ، لكنه ظلّ حاميا لابن أخيه قائما دونه ، معلنا استعداده للدفاع عنه . لذلك مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب ، وفي مقدمتهم أبو سفيان بن حرب ، فقالوا : « يا أبا طالب ، إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلّل آباءنا ، فإما أن تكفّه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه ؛ فإنك على مثل ما نحن عليه من خلاف فسنكفيكه » فردّهم أبو طالب ردّا جميلا . ومضى محمد يشتدّ في الدعوة إلى رسالته ، ويزداد لدعوته أعوانا . وائتمرت قريش بمحمد ومشوا إلى أبي طالب مرّة أخرى ومعهم عمارة بن الوليد بن المغيرة ، وكان أنهد فتى في قريش وأجمله ، وطلبوا إليه أن يتخذه ولدا ويسلمهم محمدا ، فأبى . ومضى محمد في دعوته ومضت قريش في ائتمارها . ثم ذهبوا إلى أبي طالب مرة ثالثة وقالوا له : « يا أبا طالب ، إن لك سنّا وشرفا ومنزلة فينا ، وقد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا . وإنا واللّه لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفّه عنا أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين » . وعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم يطلب نفسا بإسلام ابن أخيه ولا خذلانه . ماذا تراه يصنع ؟ بعث إلى محمد فقصّ عليه رسالة قريش ، ثم قال له : « فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق » . ما اتجاه التاريخ ؟ وأطرق محمد إطراقة وقف إزاءها تاريخ الوجود كله برهة مبهوتا لا يدري بعدها ما اتجاهه . وفي الكلمة التي تفتر عنها شفتا هذا الرجل حكم على العالم : أهو يظلّ في الضلال يمدّ له فيه ، فتطغى المجوسيّة على النصرانية المتخاذلة المضطربة وترفع الوثنية بباطلها رأسها الخرف الأفن . أم هو يضيء أمامه نور الحقّ ، تعلن فيه كلمة التوحيد ، وتحرر فيه العقول من رقّ العبودية والقلوب من أسر الأوهام ، وترتفع فيه النفس الإنسانية لتتصل بالملأ الأعلى ؟ وهذا عمه كأنه ضعف عن نصرته والقيام معه ، فهو خاذله ومسلمه . وهؤلاء المسلمون ما يزالون ضعافا لا يقوون على حرب ولا يستطيعون مقاومة قريش ذات السلطان والمال والعدّة والعدد . إذا لم يبق له دون الحق الذي ينادي الناس باسمه نصير ، ولم يبق له سوى إيمانه بالحق عدّة . ليكن ! إن الآخرة خير له من الأولى . فليؤد رسالته وليدع إلى ما أمره ربه . ولخير له أن يموت مؤمنا بالحق الذي أوحى إليه من أن يخذله أو يتردّد فيه . لذلك التفت إلى عمّه ممتلئ النفس بقوّة إرادته وقال له : « يا عمّ ، واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك فيه ما تركته » . بنو هاشم يمنعون محمدا من قريش يا لعظمة الحقّ وجلال الإيمان به ! اهتزّ الشيخ لما سمع من جواب محمد ، ووقف كذلك مبهوتا أمام هذه